الأربعاء، كانون الأول 01، 2004

رحمك الله يا ملاحت هانم

كنت في تلك الليلة المسؤول عن قسم الأمراض الباطنية. و هذه السيدة كانت تعاني من امراض عديدة منها إرتفاع الضغط في الرأتين, السكري إلى آخره.كانت ملاحت هانم تسبني كلما دخلت غرفتها لآخذ عينة من دمها أو لأسألها عن حالها. عمرها 87 سنة و لكنها كانت نشيطة العقل و شمطاء أيضا.
عمر: يا ملاحت هانم. اصحي لازم أخذ عينة دم.
ملاحت: روح خذ عينة دم من أمك. إنت عاوز مني ايه الله يخرب بيتك.
عمر: يا ملاحت هانم انا بعمل كده علشانك و الله.
ملاحت: ما تعملش يا أخي.طلعني أنا مش عاوز أنام عندكم.
عمر: ملاحت هانم قبلتي أم لم تقبلي ٍآخذ العينة.
كنت أربط يداها و أخذ الدم. و عندما يأتي البروفيسور صباحا أشرح له عن حالتها النفسية و عندما ندخل غرفتها تسبني ملاحت مرارا و تكرارا.
و الله انا حبيت ملاحت على الأقل كنت أضحك عندما تسبني مستغربا شدة غضبها الغير مبرر و محترما لسنها الكبير.
في يوم من الأيام فقدت ملاحت لترين كاملين من الدماء دون ان ننتبه. فقد تجمعت الدماء تحت جلد رجلها اليسرى و التي كانت تعاني أصلا من جروح لها علاقة بمرض السكري. انفجر الورم الكبير ليلا عندما سقطت ملاحت عن فراشها.
أخبرتني الممرضة بما حدث فطلبت من طبيب عظام عندنا أن يلقي نظرة عليها و كنت متأكدا أنه سيوصي بقطع رجلها تلك. لم تقبل ملاحت و قلت لها بصراحة ان عليها أن تقبل إذا أرادت أن تعيش أكثر. لم تقبل.
و بعد يوم واحد جائتني الممرضة لتقول ان حال ملاحت هانم سيئ جدا و أن تخطيط القلب بتاعها مش و لا بد. علمت عندها أنها ستتوفى في ذلك اليوم. اتصلت بأستاذي لأستشيره فقال أتركها و لا تفعل شيئاً. خليها تستريح. و كان هذا ما فعلت. ذهبت إلى غرفتها وقد تغير لون و جهها تنظر لي بنظرات تقول انقذوني. اخرجت أقربائها من الغرفة و طلبت من الممرضة أن تأتي بعربة الطوارئ. طبعا لم أفعل شيئا , كان هذا فقط لكي لا يعلم أقرباؤها بنيتي لتركها لأجلها. قلت لملاحت هانم في أذنها "أولادك و نحن سنفتقدك و لكن عليك ان لا تحزني فأنت ذاهبة إلى مكان أفضل و أحلى, هل تحفظين أي شيئ من القرآن؟" فأشارت بعيناها "لا" فقلت أتريدينني أن أقرأ بالنيابة عنك فأشارت بعيناها "نعم". و قرأت في أذنها بالفعل و صعدت روحها أثناء قرائتي. سلمت عليها و غادرت الغرفة لتعتني الممرضات بالجثة و عزيت أقربائها.
لم انس ملاحت في يوم من الأيام. أتذكرها على الأقل مرة كل يوم.
رحمك الله يا ملاحت هانم.
بس

هناك تعليق واحد:

ألِف يقول...

أنحني احتراما.