ما قصة الخبرة هذه؟ كلما تقدمت إلى عمل يقالُ لي انهم يريدون خبرة 3 و بعضهم 10 سنوات على الأقل.
من سيقبلني إذن إذا كان الجميع يريد خبرة؟!
على كل ليس كل المُوَظِفين هكذا. تقدمت الليلة بطلب عمل إلى
شركة أدوية دولية و لم يطلبوا سنوات خبرة كغيرهم و فرعها في تركيا من المؤسسات التي قد تقبل بتوظيف الأجانب.
قبل أن أنسى اطلعت أنا و زوجتي على وثيقة من مجلس الأمة في أنقرة يُسرَدُ فيها الوظائف الممنوعة على الأجنبي.
محامي, قاضي, عسكري, طبيب, ممرض,مرشد سياحي ......., صياد سمك!!
لم يكن لي إلا الضحك على صيد السمك الممنوع و الذي يبدو في الوثيقة كمصدر دخل رئيسي للدولة أو كعمل يخص الأمن القومي. كان الأحرى بهم أن يضعوا الدّعارة في هذه القائمة لأنها تُدخلُ على تركيا أكثر من كل هذه المجالات مجتمعة.
الوظيفة في شركة pfizer ستكون في قسم البحوث الطبية و إذا قبلوا الطلب و ُوظّفت فسأستغني عندها عن التخصص.
كنت أخطط منذ بدء دراسة الطب للتخصص في أمراض الأعصاب أو جراحة الأعصاب. إلا أن أستاذي نجم الدين قاتله الله حطّم أحلامي هذه كلّها.
يُقال عن هذا الرجل أنه أفضل جراح أعصاب في ييروآسيا و قد ترأس اتحاد جراحي الأعصاب في أوروبا و تركيا من قبل.
ترتيبه الخامس في تركيا بين دافعي الضرائب من الأشخاص. حسب أحدث تقرير(تنشره الدولة سنويا), دفع بامير 233000 دولار ضرائب فقط السنة الفائتة!!
قيل لنا يوم بدأنا جراحة الأعصاب في بداية السنة الرابعة من دراسة الطب أن علينا انتظار الأستاذ في غرفة معينة في المستشفى و أنه سيأتي لتحيتنا.
كنا قد سمعنا عن ساديّة بامير من قبل. و لذلك حلقنا الذقون مرة أخرى قبل قدومنا إلى المشفى مع انها حليقة أصلاً. و غسلنا ألبستنا ناصعة البياض مرات عديدة و انتقينا أفضل ربطات عنق متوافرة في السوق. قيل لنا أن الرجل يتعامل مع مساعديه و طلابه كأنهم وحدة كوماندوز. و لا تأخذه رأفة في من لم يُجدْ عقد ربطة عنقه أو في من يُبقي على شعرة قصيرة و لو كانت بطول واحد بالألف من الملليمتر.
جاء بامير بخطوات مسرعة و جلس على كرسي يقابلنا و يعلونا به, كرسي كالعرش يعني.
وقفنا جميعاً و انتظرنا أن يسمح لنا بالجلوس. جلسنا.
أمضى بامير 5 دقائق يتأمل وجوهنا ثم صرخ فجأة و قال "أنظروا إلى عينايَ يا حمير, أين رجولتكم, و انتصبوا في جلوسكم كالرجال"
قلنا "أكلنا خرا" و فعلنا ما يريد.
قال بعد هذه التحية "هناك قواعد في قسم جراحة الأعصاب و أريدكم أن تحفظوها عن ظهر قلب"
İlk, beni eşek yerine koyarsanıs bacağınıza sıçarım
ترجمتها الحرفية (أولها, إذا وضعتوني في مكان الحمار "إذا حاولتم خِداعي" فسأشُخّ على رجولكم)
و استمرّت جلسة الذل هذه 30 دقيقة و تنفسنا الصعداء جميعا عند انتهائها و لطمنا على الخدود و كان لسان حالنا يقول "يا ليتني كنت ترابا"
انتظرناه في جناحه الساعة السادسة صباحا و كان كل منا يتحسس لحية الآخر لنتأكد من عدم تجاوز حدود بامير.
ممرضةٌ جالسة بالقرب من النافذة لتنبه الجميع عند رؤية سيارته فينضبط الكل في صف واحد ثم يمسح الفرّاش المكان آخر مسحة ويدخل المرضى غرفهم و...
جاء الرجل راكضاً و توقف قبالنا و قال "صباح الخير" فقلنا جميعا بصوت واحد "صباح النور"
طلب من مساعده قطناً فأتاه به و صار يمرر القطن على وجوهنا ليكتشف أن أحدنا قد بقي على لحيته ذرّة من شعر فطرده من الجناح و كانت البداية. هذه طريقة اخترعها بامير, إذا بقي قطن على لحيتك فهو لأن شعرة تمسكت به.
لم يُطلب منا قبل ذلك الوقت أن نُفَسر أفلام الMRI أو ال CT و كنا جهلة بها.
بدأ المساعد بعرض أفلام الليلة على الأستاذ و نحن ترتعد فرائصنا من شدة القلق و الخوف من الإذلال أمام الجميع.
و انحشرنا في زاوية خلف بامير نتضارب للوصول إلى أبعد نقطة عنه و كنت قد نجحت في الإختفاء لولا طولي.
نظر الأستاذ خلفه فوقعت عيناه عليّ فأشار لي بالإقتراب و قال إقرأ هذا الفيلم للعمود الفقري و اشرحه لأصدقائك!!
و بتأثير الأدرينالين عمل عقلي بقواه جميعاً و قلت له بارتباك و ارتجاف في الصوت "أستاذي يبدو هنا انزلاق للقرص بين L4 و L5"
بامير: أحسنت, الآن أريدك أن تُري أصدقائك كيف وصلت إلى أن هذا القرص بين ل4 و ل5. عدّ الأقراص يعني.
و بسبب اللخمة بدأت العدّ من تحت فصرخ الأستاذ "ماذا تفعل يا بغل؟ إرجع مكانك"
عدت فورا إلى مكاني و شخّ الأستاذ في أفواه البقية من أصدقائي و اكتشفت أني كنت الأحسن إجابة بينهم.
كانت هذه صورة صغيرة للقليل مما عشناه مع هذا الوحش يسهل علي كتابتها.
آآآآآخ , يطول الحديث عن بامير و ما وقع لنا معه من مشاكل نفسية و عائلية في أسبوعين فقط.
يكفي أن أقول أني وصلت و زوجتي إلى حافة الطلاق مرتين في أسبوعين في تلك الأيام المشؤومة بسبب العصبية و السادية التي تورثها الدراسة عند بامير.
لا يوجد متزوج بين كل من يعمل معه فهم موزعون بين مُطَلّق و أعزب.
و عندما استفسرت أحدا من جراحيه عن الإختصاص عند بامير مبديا رغبتي في الإلتحاق بمساعديه , كان رده هستيريا " انت مجنون؟ ألا ترى؟ إياك ثم إياك لا تلقي بأيديك إلى التهلكة"
و علمت فيما بعد أن أساتذة جراحة الأعصاب في معظم الجامعات التركية هكذا كبامير أو أوسخ.
و سكنني الحزن عندما قال لي صديق في بريطانيا أن الأمر مشابه عنده و لكن أخف حبتين. يعني مافيش ضرب بالقلم.
كلّ دقيقة عشتها مع ملاك الموت هذا تستحق تدوينةً خاصة بها.
كان بامير السبب في تغيير رأيي بجراحة الأعصاب. فأنا لا أريد بصقا في الوجه عدة مرات يوميا كما رأيناه يفعل مع مساعديه الجدد.
الله يفضح عرضك يا بامير بعدد شعر رأسك.
بالمناسبة أنا لا أستطيع عقد ربطة العنق بنفسي إلى يومنا هذا مع أنّها صاحبتني 3 سنين يوميا.
بس